موجز أطروحة الدكتوراه - جيولوجيا الشطر الشمالي من السَطيحة العربية استناداً إلى معطيات الاستشعار عن بعد
 

 

وزارة التعليم العالي والمتوسط المتخصص في الاتحاد السوفياتي

جامعة الصداقة بين الشعوب

موسكو

موجز أطروحة الدكتوراه

 

جيولوجيا الشطر الشمالي من السَطيحة العربية استناداً إلى معطيات الاستشعار عن بعد

 

أطروحة لنيل درجة دكتوراه Ph.D. في علوم الجيولوجيا والمعادن

 

المشرف العلمي

الدكتور في علوم الجيولوجيا والمعادن البروفسور غ.د. أجغِيرِيّْ

(prof. Gleb Dmitrievich AZHGIREY)

 

موسكو 1981

*********************

فهرس

Ø    مقدمة

Ø    الفصل الأول. طريقة البحث

o       معلومات عن القمر الصناعي

o       معلومات عن الصور

o       اختيار الصور

o       طريقة قراءة الصور

Ø    الفصل الثاني. تاريخ دراسة المنطقة

Ø    الفصل الثالث. دراسة الطبقات

Ø    الفصل الرابع. تكتونية المنطقة الصدعية في شرق المتوسط وتاريخ تطورها

o       قِدَم المنطقة الصدعية في شرق المتوسط

o       رِفت (انهدام) شرق المتوسط يرث المنطقة الصدعية القديمة في شرق المتوسط

o       نتائج القراءة الجيولوجية لمنطقة رفت شرق المتوسط

Ø الفصل الخامس. تكتونية الساحل الشرقي للبحر المتوسط كمنطقة أطلسية الطراز وسمات تطورها

o       مورفولوجيا قاع البحر

o       الدراسة الجيوفيزيائية للمنطقة

Ø    الفصل السادس. تكتونية منطقة صدوع والتواءات تدمر وتاريخ تطورها

Ø    الخاتمة

Ø    المراجع

       

المقدمة

تستعرض الأطروحة بعض السمات الهامة لجيولوجيا الشطر الشمالي من السطيحة العربية ويشمل أراضي لبنان وسوريا وفلسطين وبعض مناطق العراق وتركيا والأردن وإيران (أنظر الرسم 1).

راهنية المشكلية

تُحددُ حاجةُ دول الشرق الأوسط إلى استكشاف الموارد الطبيعية الموجودة في أراضيها والتنقيب عنها بهدف تطوير هذه الدول لاقتصاداتها الوطنية راهنيةَ كشف النقاب عن خصائص التركيب الجيولوجي لهذه المنطقة وتاريخ تطورها جيولوجياً.

وتحدد الأهميةَ النظرية للموضوع الذي اختير لهذه الأطروحة ضرورةُ مواصلة تعميم المعطيات الجيولوجية المتوفرة عن الرقعة التي تقترن فيهاالمناطق التكتونية المتنوعة للسطيحة العربية بالشطر الجنوبي من منطقة القعيرة الإقليمية لمحيط ثيطس (لاحقاً منطقة الطي الألبي).

جدير بالذكر أن المرحلة المعاصرة من تطور الجيولوجيا تتسم بتطبيق أنواع جديدة من الدراسات المعتمدة على آخر منجزات العلوم والتكنولوجيا. ومن بينها مسح كوكب الأرض من الفضاء الكوني. وهذا العمل يعتبر من بين بواكير الأعمال التي تستخدم الصور الفضائية في دراسة الشطر الشمالي من السطيحة العربية دراسة جيولوجية. وإن طريقة الاستشعار عن بعد الجديدة هذه، أي استخدام الصور الفضائية، لتفسَحُ المجال أمام الحصول بسرعة على معلومات جيولوجية هامة قد تكون أحياناً جديدة مبدئياً.

الغرض من الدراسة

يحوز كاتب الأطروحة مواد جديدة تماماً تناولها من قراءته للصور الفضائية المأخوذة للجزء الأعظم من الأراضي قيد البحث. وبالاعتماد على المعطيات الارتكازية التي جاءت بها الدراسات الجيولوجية السوفياتية (بونيكاروف Ponikarov V.P. وغيره، 1969)، والدراسات والأبحاث الجديدة التي قام بها الجيولوجيون اللبنانيون والسوريون (زياد بيضون، 1976-1979 وغيره)، وضع الباحث نصب عينيه هدفاً هو استعراض جيولوجيا الشطر الشمالي من السطيحة العربية على أن تؤخذ في الحسبان المعطيات الجديدة الناجمة عن قراءة الصور الفضائية واستنتاجِ ما يمكن استنتاجه منها نظرياً وعملياً. ولقد استدعى هذا الأمر حل المعضلات الآتية:

  1. القراءة التفسيرية لمجمل المادة المتوفرة من صور فضائية وخرائط في مقاييس مختلفة وبالاستفادة من المعطيات الجيولوجية والجيوفيزيائية.
  2. تحليل ودراسة ما يمكن أن تعطيه مقارنة الصور الفضائية المختلفة المقاييس من معلومات عبر استخدام الطريقة المسماة بالتعميم التدريجي. وقد استدعى هذا قراءة تفسيرية للوحات طبِعت من الصور الفضائية بمقاييس 1/200,000، 1/500,000 و1/1000,000، واستكشافاً لما ظهرت عليه البنى في كل من هذه المقاييس.
  3. توليف شتى المعطيات الجيولوجية المتوافرة أصلاً عن الشطر الشمالي من السطيحة العربية مع المادة الجديدة المستقاة من قراءة وتفسير اللوحات الفضائية.

جدير بالذكر أن قراءة اللوحات الفضائية قام بها كاتب الأطروحة بمعاونة صادقة من مختبر الصور الجيولوجية في جامعة موسكو وبالأخص الأستاذ فاديم سكارياتين، وأن تحليل واستنباط المعطيات منها تمّا تحت إشراف البروفسور غليب دميترييفيتش أجغيراي، المشرف العلمي على كاتب هذه الأطروحة من جامعة الصداقة بين الشعوب. كما قدم معونة قيمة جدا الأساتذة العاملون في مؤسسة "نيل زاروبيج جيولوجيا" بونيكاروف Ponikarov V.P. وسوليدي كوندراتييف Soulidi-Kondratiev E.D. ورَزفاليايف Razvaliayev A.V. وميخايلوف Mikhailov I.A. وكوزلوفKozlov V.V.  وكذلك تشوماكوف Chumakov I.S.. وإن كاتب الأطروحة ليكنّ لهؤلاء كل شكر وعرفان.

الجديد العلمي والقيمة العملية

على أساس ما تم إحرازه خلال قراءة الصور الفضائية قراءة جيولوجية، استُكملت، وأحياناً صيغت على نطاق أوسع، في الأطروحة التصورات القائمة حول السمات الجيولوجية للبنى التكتونية الرئيسية في الشطر الشمالي من السطيحة العربية وحول تطور هذه البنى. وتنتمي إلى هذه البنى التكتونية الرئيسية:

  • المنظومة الرِفتية[4] (منظومة الحُفَر الانهدامية الصدعية) لشرق المتوسط المتوازية تقريباً وخطوطَ الطول الأرضية، هذه المنظومة التي تمت قراءتها بوضوح على اللوحات الفضائية. وقد كشفت نتائج القراءة الوضع التداخلي[5] للخنادق الرِفتية[6] والصدوع الرفتية. ومعلوم من خلال معطيات الأبحاث الجيولوجية أن هذه الخنادق الرفتية مختلفة الأعمار، غير أن سماتها الجيومورفولوجية، كما تظهرها الصور الفضائية، تنم عن حداثة التحرفات. وخنادق الجزء الشمالي من المنظومة الرفتية تبدو أحدث عهداً من خندق البحر الميّت ووادي نهر الأردن. فالأخير كان قد وجد في زمن الميوسين السفلي، وربما تأسس كمنخفض، بحسب بعض المعطيات (كازمين وميخايلوف وشاتسكي، 1964؛ رزفاليايف، 1971 وغيرهم) أقله في حقب الميزوزوي (الحقب الأوسط). أما خندقا مصيف-الغاب وكاراسو في نطاق الجزء الشمالي من المنظومة الرفتية فيعودان إلى بنى رفتية تكونت في البليوسين والرباعي (كازمين وغيره، 1964). وإن المتحقق منه عموماً هو أن المنظومة الرفتية يمكن النظر إليها كتكوين تكتوني حديث العهد جداً (نيوجيني) (أنظر الرسمين 2 و6). وإن الوضع الحركي الذي تكونت في ظله المنظومة الرفتية هو وضع تمدد القشرة الأرضية المرتبط خاصة بحركات عمودية. واستناداً إلى زيحان التكملة الجنوبية الغربية للمنطقة الالتوائية التدمرية[7] يمكن القول إن الزيحان اليساري البالغ اتساعه ما ينيف على المائة كلم يشهد على وجود دور أيضا للحركات الأفقية في تكوين المنظومة الرفتية لشرق المتوسطن أقله في خلال المرحلة الختامية من تطورها. وقد بين تحليل المعطيات الطبقية المتوفرة عن توضعات الطباشيري والجوراسي وحتى توضعات أقدم منها عهداً بوضوح تام أن المنظومة الرفتية الفتية لشرق المتوسط تطورت تطوراً وراثيا على قاعدة صدع غائر قديم متواز وخطوط الطول.

ويؤكد وجود هذا الأخير بوضوح الانخفاض الشديد لسماكات الطبقات في الطباشيري والجوراسي وتغير سحناتها، وبوضوح أقل انخفاض سماكات الطبقات في الترياسي وأعالي الحقب القديم (الباليوزوي) إلى الشرق من المنظومة الرفتية لشرق المتوسط الفتية، والتزايد الشديد كذلك لسماكات الطبقات ذاتها وتغير سحنات هذه الطبقات إلى الغرب من هذه المنظومة (أنظر الرسوم من 8 إلى 12).

إن الصدع الغائر القديم المتوازي وخطوطَ الطول كان في الزمن الجوراسي والطباشيري يشكل حداً فاصلاً ما بين الأجزاء غير العميقة من جرف بحر واقع على طرف القارة والبحر الطاغي على السطيحة العربية غرباً. ويشير تحليل المعطيات القليلة جداً عن توضعات الترياسي وأعالي الباليوزوي إلى اختلافات مماثلة. أما بالنسبة إلى اسفل الباليوزوي فاللوحة هي على الأرجح معاكسة، بحيث أن الرواسب الجرفية غير العميقة تكونت إلى الشرق من المنطقة الصدعية لشرق المتوسط. ولعل الأخيرة لعبت دور "الخط المفصلي" الذي سيطرت في شرقه وغربه ظروف ترسب مختلفة. ولئن كانت هذه الاختلافات خفيفة البروز نسبيا في توضعات الترياسي وأعالي ما قبل الكمبري، فليست ثمة أية معطيات موضوعية تقول بأن الصدع الغائر القديم المتوازي وخطوطَ الطول شرقي المتوسط بدأ يتشكل فقط منذ الجوراسي. فالأمر أت دراسة معطيات تاريخ التحرفات التكتونية الواقعة في شمال إفريقيا غربي السطيحة العربية، في ليبيا والجزائر (جبال الحجر) وفي شمال غربي إفريقيا (سيدي عفني) يدل على أن منظومات الصدوع الغائرة شبه المتوازية وخطوطَ الطول معمرة في الغالب منذ ما قبل الكمبري.

وبينت قراءة الصور الفضائية لأراضي تركيا أيضا المحاذية لشمال غربي سوريا (الصورة الفضائية الرقم 182 – 9 كانون الأول 1973 والصورة 190 – 2 كانون الثاني 1973 أيضا أن بعضا من الصدوع التي تشكل المنظومة الصدعية لشرق المتوسط يمكن تلمسه في منطقة محيط ثيطس القديم (رسم 6 ورسم 14) (مزيد من التفصيل عن هذا في الفصل الرابع). هذا الأمر الأخير يشير إلى استمرار المنطقة الصدعية لشرق المتوسط في أساس منطقة القعيرة الإقليمية لمحيط ثيطس.

  • منظومة الفوالق شبه الموازية لصدع شرق المتوسط الغائر والقديم العهد. ولعل هذه المنظومة كانت في أساس تشكل منطقة جرف شرق البحر المتوسط المتمتعة بكل سمات وخصائص التحرفات من طراز الشواطئ الأطلسية.

ولقد ظهرت دراسات حاولت تفسير نشوء هذا الجزء من البحر المتوسط بأنه تواصل نحو الشمال- الشمال الشرقي لصدع ما عابر للقارة الإفريقية هو صدع بيلوزيوم Pellusium الممتد شمالا كاستمرار لصدع الكامرون الذي يقطع كل القارة الإفريقية (د. نيف D. Neev، 1973، 1975، 1977). بيد أن هذه الافتراضات تتناقض كلياً ومعطياتنا المستقاة من قراءة الصور الفضائية للشطر الشمالي للسطيحة العربية. وثمة ما يكفي من الدلائل لاعتبار أن مصدر نشوء الجرف المعاصر لشرق البحر المتوسط مع البنى الموازية كل الموازاة لصدع شرق المتوسط القديم العهد حركاتٌ تكتونيةٌ عبر منظومة من الفوالق العادية الموازية لصدع شرق المتوسط (أنظر الملاحق 25 و26 و27).

صدع بِلّوزيوم الهائل المفترض قطعه لكل القارة الإفريقية يضم دون ما يكفي من التعليلات والدلائل مقاطع من صدوع مختلفة منشئياً كل الاختلاف، بينما منظومة الصدوع شبه الموازية لصدع شرق المتوسط القائم فعلاً تستجيب تماماً لطراز تحرفات الشواطئ الأطلسية. وإن شدة تحرك منظومة صدوع شرق المتوسط لتدعو إلى افتراض تشكّل أحواض ترسب محاذية للشاطئ في النيوجين وحتى قبله واقعة في نطاق تطور التحرفات في الجزء الجرفي من لبنان وسوريا مع احتمال تكوّن حقول للنفط والغاز في أحواض الترسب هذه.

  • منظومة الصدوع العميقة التي، على ما يبدو، تشكل تشعباً virgation للمناطق التكتونية الجنوبية من منظومة زاغروس الالتوائية، صوب الشطر الشمالي من السطيحة العربية (أنظر الملحق 43). هذه الصدوع ربما أمكن النظر إليها كبنى قعيرية إقليمية جنينية. ولقد اعتمدنا نحن فرضية تحطيم منظومة الصدوع العميقة في زاغروس وتَدمُر للسطيحة العربية. فالطيات المرافقة لهذه الصدوع عند تواصلها نحو الجنوب الغربي تشكل بنية تدمر التكتونية، وعند استمرار تواصلها جنوبَ غرب وغرباً تشكل منظومة طيات شمالي سيناء (أنظر الملحقين 43 و45).

هذا الحزام الصدعي الطيي ربما كان مثابة تكوين تكتوني فتيّ في جسم السطيحة العربية لأنه يشكل استمرارا للمنطقة التكتونية الطرفية الأكثر فتوة والأبعد إلى الجنوب لمنظومة التواءات زاغروس، وهي في مثل هذه الحالة تستجيب لقمة تحرفات الميزوزوي والباليوجين- النيوجين في الجزء الجنوبي من محيط ثيطس.

  • إلى جانب هذه النتائج الرئيسية التي تشكل المقولات الأساسية لأطروحتنا تجدر الإشارة أيضا إلى النتائج الآتية لقراءة الصور الفضائية:
  • تم تكميل صدوع وشقوق إقليمية ومحلية كانت معروفة وأخرى لم تكن معروفة واكتشفت للمرة الأولى ذات اتجاهات إما شبه موازية لخطوط العرض الأرضية، وإما شمالية- شمالية شرقية، وإما موازية لخطوط الطول الأرضية، وإما شمالية غربية. كما حدِّد مدى تأثيرها في تشكيل الخريطة التكتونية المعاصرة (أنظر الرسمين 4 و6).
  • تم الحصول على معطيات جديدة حول القوانين الطبيعية المحدِّدة لانتشار وتوجه البنى المحلية الخاضعة لاتجاهات الصدوع الإقليمية المكتشفة (التحرفات الزيَحانية).
  • تم اكتشاف بنى دائرية لم تكن معروفة من قبل ولا سيما في نطاق انتشار التوضعات البركانية والبركانية الرسوبية (انظر الرسم 3).
  • تم اكتشاف عدد كبير من المراكز البركانية الجديدة العائدة إلى النيوجين والرباعي.

حجم الأطروحة: يتألف نص الأطروحة من 6 فصول ومقدمة وخاتمة، ويضم 92 صفحة مطبوعة على الدكتيلو و45 صورة (صور فضائية، رسوم بيانية، أعمدة طبقية). وتشمل قائمة المراجع 105 منها.

************************

الفصل الأول. طريقة البحث

تمثلت طريقة البحث في القراءة التفسيرية interprétation الجيولوجية عموماً والتكتونية البنيوية خصوصاً، لمواد الصور الفضائية المأخوذة من على متن القمر المداري الأميركي لاندسات LANDSAT المخصص لدراسة الموارد الطبيعية. وإن أراضي الشطر الشمالي من شبه الجزيرة العربية لهي واحدة من أنسب ساحات صوغ الطرائق المناسبة لقراءة الأجسام الجيولوجية على الصور الفضائية. فهذه الأراضي تتفرد بمشهد طبيعي وجيولوجي واضح المعالم نظراً لانكشاف الصخور انكشافاً ممتازاً في مناطق تضاريس جبلية أو في ظل مناخ جاف ينجم عنه ضعف أو غياب الغطاء النباتي. فتغلب على مساحات شاسعة قابلية ممتازة لقراءة وتفسير الأجسام الجيولوجية على الصور الفضائية لاندسات الجيدة النوعية.

وتكمن أهمية القراءة الجيولوجية، وبالأخص القراءة التكتونية والبنيوية للصور الفضائية أيضا في عوامل مثل وجود طبقات ومجموعات من الصخور مختلفة في التركيب واللون والثبات حيال عوامل الائتكال (التجوية)، ومقاييس الصور ونوعيتها المؤاتية إلى ما هنالك. وإن الجمع المناسب بين هذه العوامل المذكورة ليؤتي تبياناً جيدا للأجسام الجيولوجية والعناصر التكتونية والبنيوية على الصور، وهو ما يزيد من صحة المعلومات التي نحصل عليها ومن إمكان قراءة البنى الجيولوجية.

إن مقابلة معطيات قراءة الصور الفضائية مع المعطيات الجيولوجية والجيوفيزيائية التي وفرتها الدراسات على الأرض وتفسير نتائج هذه القراءة شكلا أساس معالجة مهام ملموسة في مجال دراسة البنية الجيولوجية للمنطقة.

o       معلومات عن القمر الصناعي

أطلق القمران لاندسات 1 ولاندسات 2 من قبل الوكالة الفضائية الأميركية "ناسا" NASA على التوالي في 23 تموز/يوليو عام 1972 وفي 22 كانون االثاني/يناير عام 1975 بهدف دراسة الموارد الطبيعية للأرض. وهي تحلق على مدار دائري يمر قبالة القطب الأرضي (بميل عن خطوط الطول يساوي 9 درجات) بسرعة تجعل القمر يرى الأرض دائما تحته مضاءة بالقدر نفسه. ويقع هذا المدار على ارتفاع يصل إلى 920 كلم عن سطح الأرض. ويحقق كل من هذين القمرين دورة كاملة حول الأرض كل 103 دقائق و16 ثانية، أو ما يقرب من 14 مرة في اليوم الأرضي الواحد ذي الساعات الأربع والعشرين. وكل عبور نهاري موجه من الشمال إلى الجنوب بحيث يمكن لكل قمر أن يغطي مساحة الكوكب الأرضي كله بصوره، باستثناء القطبين، فقط كل 18 يوماً من التغطيات المتكررة المتقاربة. ومن هنا أن بوسع القمر نظرياً أن يعطي كل 9 أيام أو 18 يوماً مجموعة جديدة من الصور للمنطقة ذاتها من سطح الكرة الأرضية.

ويحمل قمر لاندسات حاليا على متنه ثلاثة أنظمة جمع للمعلومات. وما يهمنا منها الكاشف المتعدد الأطياف (أربعة مجالات طيفية) MSS (Multispectral Scanning System) الذي هو مصدر الصور التي بنينا على قراءتها أطروحتنا هذه. والكاشف المتعدد الأطياف هو نظام الاستشعار الأساسي الذي يحصل على صور بجهة يبلغ قياسها 185 كلم تقريباً وفي مجالات الطيف المعناطيسي الكهربائي الأربعة المرئية والقريبة من الأشعة تحت الحمراء.

ويؤمن المجال السابع القريب من الأشعة تحت الحمراء (من 0,8 حتى 1,1 ميكرون) أفضل نفاذ عبر ضباب الجو الأرضي، فيحدد بوضوح النبات والحدود بين الماء واليابسة وأشكال تضاريس الأرض. وهو لذلك كان المجال الأنسب للصور الفضائية المطلوبة والصالحة للأبحاث الجيولوجية.

o       معلومات عن الصور

استخدمت في الأطروحة 33 صورة لاندسات تغطي الجزء الأكبر من المنطقة قيد البحث. وكل صورة تغطي مساحة قدرها 34,000 كلم مربع تقريباً (185×185 كلم).

وتورد كاتالوغات "ناسا" لكل من الصور: الرقم التعريفي، التاريخ، نسبة الغطاء الغيمي، رقم المدار، خطي الطول والعرض للنقطة المركزية من الصورة، زاوية الميل وزاوية اتجاه الشمس، وكذلك نوعية الصورة لكل مجال (جيدة، وسط، أو سيئة). وإن دقة الموقع الجغرافي لكل صورة هي 3 دقائق.

والصورة تطابق تقريباً إسقاط لامبرت (أي أن المقياس واحد في كل نقطة من النقاط).

o       اختيار الصور

تغطي الصور الجزء الأكبر من منطقة البحث. وبعض أزواج الصور يغطي تقريباً المساحة نفسها، ولكن في وقت مختلف من فصول السنة وبمعطيات أخرى مختلفة. أضف إلى ذلك أن الصور المتجاورة تغطي مرتين الجزء نفسه من المنطقة المصورة. وتتراوح مساحة التغطية المكررة  ما بين 20-30 في المائة و50 في المائة من أراضي الصورة. وتتغير نوعية الصورة طبقاً للظروف الجوية.

وقد اخترنا بمساعدة كاتالوغات خاصة أصدرتها "ناسا" أنجح الصور لمنطقة الدرس حيث أقل نسبة ممكنة من الغيم وبحيث كانت الصور مأخوذة في فصول مختلفة من السنة، ما ساعد على أفضل قراءة في مناطق مختلفة للأجسام الجيولوجية.

استعملنا كمستند أساسي لأبحاثنا أفلاماً موجبة اشتريناها من Eros Data Center, Sioux Falls، بقياس 70×70 ومقياس 1/3,369,000. واخترنا لأجل القراءة الجيولوجية المجال 7 تحت الأحمر (0,8 – 1,1 ميكرون). أعمال القراءة أجريت على صور مكبّرة عن الأصل مطبوعة أبيض أسود. وتم الانتقال من الأفلام الأصلية إلى الصور (اللوحات) الفضائية المطبوعة عبر أفلام سالبة. وكانت مقاييس اللوحات التي حصلنا عليها هي: 1/1000,000 و1/500,000 و1/200,000. وتغطي الصور أراضي لبنان وسوريا وجزءا من شمال فلسطين والأردن والعراق وجنوب تركيا وشمال غرب إيران.

ولقد كمنت الدراسة التحليلية للصور اللوحات في تبيان كل الخطوط LINEAMENTS وعناصر البنية المرئية عليها.

o       طريقة قراءة الصور

تمت القراءة التفسيرية للوحات الفضائية بمقاييس 1/1000,000 و1/500,000 و1/200,000 في مختبر طرائق التصوير الجيولوجي التابع لمركز التدريس العلمي بكلية الجيولوجيا في جامعة موسكو.

ولأجل قراءة الصور استخدمت مقابلة اللوحات بمقاييس 1/1000,000 و1/500,000 و1/200,000 مع الخرائط المتضمنة معلومات جيولوجية وجيوفيزيائية وجغرافية طبيعية لها المقاييس ذاتها. ولأجل هذا استخدمت لأراضي لبنان الخرائط الجيولوجية التي رسمت بإشراف الجيولوجي الفرنسي دوبرتريه على مقياسي 1/1000,000 و1/200,000. أما لأراضي سوريا فاستخدمت الخرائط بمقاييس 1/1000,000 و1/500,000 و1/200,000 الجيولوجية والجيوفيزيائية التي رسمتها مجموعة الجيولوجيين السوفيات تحت إشراف بونيكاروف (1964). كذلك استخدمت الخرائط الجيولوجية وغيرها العائدة لتركيا (1/5000,000) وللعراق (1/2000,000) ولفلسطين (1/500,000).

جرت مقارنة الصور الفضائية بالخرائط المذكورة بهدف تبيان خصائص ظهور شتى البنى والكسور على الصور-اللوحات الفضائية وإبراز الأجسام الجيولوجية ودلائلها الجيومورفولوجية بالنسبة إلى كل صورة من الصور التي تم الحصول عليها في ظل ظروف الطقس والمناخ المختلفة وغيرها. وقد أتاح شكل التضاريس المختلفة مع اختلاف صلابة الصخور وصمودها أمام عوامل التجوية كشف النقاب عن العديد من البنى المتكونة من صخور قاسية إلى هذا الحد أو ذاك ما جعل ائتكالها مختلفاً باختلاف الصلابة إياها.

واستخدمت كدلائل معيارية دلائل المنظر الطبيعي لأجسام جيولوجية مدروسة جيداً.

ودرست أيضا إعلامية Informativity الصور الفضائية المختلفة المقاييس بهدف تبيّن البنية الجيولوجية للشطر الشمالي من السطيحة العربية. وتبنى طريقة "التعميم المتدرج" Multilevel Generalization التي صاغها الأستاذ سكارياتين في مختبر التصوير الجيولوجي التابع لجامعة موسكو وغيره من الباحثين على واقع أن "كل مقياس ضمن جملة مثلى من صور سطح الأرض المختلفة المقاييس تقابله معلومات جيولوجية مميزة".

وهكذا، تُقرأ قراءة جيدة على الصور الفضائية ذات المقاييس الكبيرة والمتوسطة (1/200,000 و1/500,000) والمستوى التعميمي المفصّل المجموعات البنيوية التكوينية. فعلى الصور ذات الأرقام 208 (1/1/73) و207 (1/1/73) و182 (9/12/73) و190 (2/1/73) مثلاً تتكشف جيدا البنية القبّية الكتلية الملازمة للمنطقة الصدعية لشرق المتوسط. وهي تتميز بتضاريس متعرجة جدا ومتأكلة. وتتألف هذه البنية على الأغلب من صخور جيرية تتميز بشبكة كثيفة من الشقوق الصدعية والأشكال الكارستية. وتقرأ جيداً شقوق الترييش الصغيرة وخاصة في حدود البنى الحنيرية لسلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية Liban et Anti-Liban.

وتقرأ جيداً في بعض الأماكن مخارج المتدخلات البازلتية البينية إلى السطح في شكل "أشرطة" ذات لون أعتم نسبياً مما عند الصخور الرسوبية المحيطة بها. وتفرز بوضوح وتحدد معالمها جيداً تكاوين الهضاب البازلتية ومناطق الذيل الركامي الناري خصوصاً في منطقة منخفض جبل الدروز وكذلك البراكين. وتلحظ أيضا المجاري البازلتية من مختلف الأجيال والتراكيب (الصورة رقم 208 (1م1م73) ( أنظر الملحق 2 و3).

ويميز الجزء السطيحي الأقل تنشطاً في المنحدر الشمالي من السطيحة العربية لون هادئ ورتيب تقريباً (أنظر الملحق رقم 39). فالصدوع والشقوق والانثناءات هنا تكتشف من خلال تغيرات في اللون تكاد لا تلحظ إلا بصعوبة، أو من خلال رؤية المجاري المستقيمة للأنهر الدائمة أو الموسمية، أو من خلال السبخات والبحيرات الصغيرة الواقعة على خط واحد، أو بواسطة عوامل أخرى جيومورفولوجية وجيونباتية. كما تلحظ المجموعات الصخرية الطبقية من خلال تغير في اللون قد يكون أحيانا شديداً.

وتقرأ جيداً أيضاً على الصور الفضائية ذات المستوى التفصيلي الطيات الحنيرية الصغيرة والمتوسطة من خلال الرسم واللون وطبيعة الشبكة المائية وغير ذلك من الدلائل.

وتقرأ جيداً على الصور الفضائية ذات المقاييس الصغيرة (1/1000,000) البنى الالتوائية من الصف الأول والصدوع الإقليمية ومناطق الكسور والانثناءات والبنى الدائرية إلخ.

ويعتبر من بين أهم أوجه إعلامية الصور الزيادة الكمية في المعلومات التي تؤمنها، لا سيما على صعيد الكسور، وهو ما يلحظ خاصة في الجزء الغربي من المنطقة قيد الدرس. فتلحظ مثلا زيادة كبيرة في المعلومات المتعلقة بالهضاب البركانية، وخاصة في منطقة جبل الدروز حيث ترى على الصور الفضائية كمية كبيرة من فوهات البراكين ذات العمر النيوجيني الرباعي. وتتجمع الفوهات غالبا في صورة "سلاسل". وهي في حدود الأغطية البازلتية لمنخفض جبل الدروز سلاسل متجهة على الأغلب نحو الشمال الغربي. ويُرى هنا، وخصوصاً في الصورة رقم 072 عدد كبير من البراكين التي لم تُرسم من قبل على الخرائط الجيولوجية. وقلما ترى براكين مبعثرة هنا وهناك. وإن التوزع الخطّي عموماً لفوهات البراكين الصغيرة ليدل على اتجاه المناطق المستقيمة للكسور. وبالنسبة إلى منخفض جبل الدروز يتوافق الاتجاه الشمالي الغربي لسلاسل البراكين المستقيمة الخطوط مع اتجاه الصدوع في أساس (ركيزة) السطيحة. وتلحظ الصدوع العميقة لمنطقة تدمر التكتونية ضمن حدود منخفض الفرات من خلال توزع مراكز النشاط البركاني واتجاه بعض التفاصيل المورفولوجية (الانقسام التحاتّي المميز وغيره) واتجاه المنخفضات وغيرها.

وليس ثمة من مصادر للمعلومات تضاهي الصور الفضائية لدى إفراد وتدقيق الخطوط التكتونية المنشإ lineaments والصدوع وباقي الكسور. ولعل إدخالها حيز التطبيق في مجالات العلوم المختلفة سيعني مرحلة جديدة مبدئياً من دراسة الفوالق، لا سيما في مناطق السطائح السهلية حيث الانزياح عبر الفوالق ضئيل عادة، وحيث آثار هذا الانزياح مختفية تحت غطاء من الرواسب (فلورنسكي وغيره، 1976). ولدى قراءة اللوحات الفضائية الموجودة لدينا والتي تغطي الشطر الشمالي من السطيحة العربية تبين أن من الممكن اكتشاف عدد كبير من العناصر الخطية بحسب مؤشرات وعلائم جيومورفولوجية وجيو نباتية وغيرها من علائم المنظر الطبيعي. وحين يقارن المرء هذه الخطوط بما هو موجود على الخرائط الجيولوجية والجيوفيزيائية من صدوع وشقوق وشواذَّ خطيةٍ للمجالات الجيوفيزيائية يتأكد من أن لهذه الخطوط في معظم الأحوال طبيعة صدعية وتشققية. وأكثر ما تبين من شبكة كثيفة من الخطوط والشقوق كان في الجزء الغربي من المنطقة قيد الدرس. فهنا في ظل وجود طيات جبلية يرى بوضوح تقاطع بنى السطح الأرضي. وتتقاطع الخطوط المختلفة الأبعاد والاتجاهات وتتشابك. ويحدد  أكبرها وضعية وطبيعة مخنلف العناصر التكتونية. فتقرأ مثلا على الصورة الجوية شقوق تشكل التواصل الشمالي- الشمالي الشرقي لصدوع تشعب الحد الشرقي لحفرة البحر الميت ووادي نهر الأردن الانهدامية. وتشكل سلسلة الفوالق التداخلية الحدود الإقليمية شرقاً لمرتفع حلب. وتظهر الصدوع المقروءة ذات الامتداد الشرقي – الشمالي الشرقي إلى الجنوب من تدمر وكأنها تحدّ مرتفع الرطبة.

وتقرأ أيضا على الصور صدوع كثيرة موازية لصدوع حدود الحفر الانهدامية للمنظومة الرفتية لشرق المتوسط، وهي لم يكن ممكناً رسمها على الخريطة في الحقل. وأخيراً أتاحت قراءة الصور الفضائية اكتشاف عدد كبير غير معروف من قبل لبنى حنيرية في نطاق الجزء الشمالي الغربي من العراق كانت تثبت الصلة المنشئية بين بنية تدمر وبنى الظهر الشمالي (القنطرة الشمالية) مع تشعب لصدوع المنطقة الطرفية الجنوبية من زاغروس، القسم الجنوبي الشرقي من منظومة القعيرة الإقليمية الألبية.

وتتسم الطيات بتضاريس موجبة على خلفية الأراضي السهلية. وتتكون نوى الطيات من صخور أصلب من تلك التي في جوانح الحدبات ونهاياتها. وهي لذلك أقل تحطماً وبارزة جيومورفولوجياً في شكل مرتفعات ناتئة على خلفية سهل. ويمكن للمرء أن يحدد العمر التقريبي للصخور التي تكوّن البنى المكتشفة من خلال مقارنتها بما يجاورها مما تُعرف خاصياته الليثولوجية والزمنية والطبقية.

إن تحليلاً جيولوجياً وبنيوياً لنتائج قراءة اللوحات الفضائية بمقاييس 1/200,000، 1/500,000 و1/1000,000 والتي تغطي الشطر الشمالي من السطيحة العربية ليمكّن عموماً من الحصول على زيادة كمية واضحة من المعلومات لجهة اكتشاف بنى التوائية وانكسارية جديدة والعثور على قوانين محددة تحكم وجهتها وعلاقة بعضها ببعض، وتدقيق تصوراتنا حول الطبيعة التكتونية لأهم عناصر بنية الجزء الشمالي المتنشط من السطيحة العربية.

والأفضلية الرئيسية للصور الفضائية كمادة يُنطَلق منها للقيام بأبحاث جيولوجية هي صفتها التعميمية. فتعميمها للرسم البنيوي وسعة الرؤية التي تقدمها للباحث يتيح متابعة بنى إقليمية ضخمة ممتدة عشرات بل مئات الكيلومترات دفعة واحدة. هذه التعميمية هي التي أتاحت مثلاً متابعة الصدوع الإقليمية المتشعبة عن الحد الشرقي لرفت البحر الميت ووادي نهر الأردن شمالا وشمال شرق، أو تواصل صدوع شرق المتوسط عبر الحزام القعيري الإقليمي لمحيط ثيطس. فعلى الخرائط المرسومة بالطرائق التقليدية (المسح الحقلي، الصور الجوية ومثالها) لا يظهر غالبا في مكان الخطوط التكتونية الرئيسية سوى شقوق ثانوية تمكن رؤيتها خلال العمل الحقلي. فالصور الفضائية تبدو وكأنها تكامل ما بين الشقوق والصدوع المكتشفة في قطاعات محدودة كشقوق صغيرة ذات اتجاهات واحدة أو متقاربة، أو كمناطقِ تشققية زائدة. فعلى الصورة الفضائية تنشأ لوحة متكاملة عن امتداد الشقوق لتتخذ مقاييس إقليمية. هذا الأمر إلى جانب خصائص أخرى كمثل تبيّن "شفافية" القشرة الأرضية عند تصويرها من الفضاء الكوني وانكشاف تصدعات عميقة في الأساس البلوري دون أن تكون هذه التصدعات بائنة في الأجزاء العلوية من الغطاء الرسوبي وغيره، يشكل على ما يبدو السمة الأكثر تمييزاً لطريقة البحث بواسطة الصور الفضائية.

لا بد هنا من إضافة أن التحوّر الضئيل جدا للمقياس في الصور الفضائية المأخوذة من القمر الصناعي الأميركي لاندسات يجعل ممكناً استخدام الصور الفضائية بطبعها لوحات ترسم عليها الخرائط في الجيولوجيا بغية تجديد وتحديث الخرائط الجيولوجية الموجودة أصلا، لا سيما منها ذات المقاييس الصغيرة.

 

 الفصل الثاني. تاريخ دراسة المنطقة

قضايا تكوين الشطر الشمالي من السطيحة العربية كرس لها الكثير من الدراسات. وقد احتلت مرتبة هامة بين هذه الدراسات أعمال دراسة المنظومة الرفتية لشرق المتوسط. وإن المعطيات الأولى عن جيولوجية هذه المنظومة تضمنتها أعمال بلانكنهورن M. Blankenhorn (1925)، كوبير L. Kober (1915)، كرنكل Krenkel (1941) وغيرهم. ثم جاء الإسهام الكبير في دراسة البنى الداخلة ضمن المنظومة الرفتية لشرق المتوسط من دوبرتريه Dubertret (1932, 1955, 1959, 1963, 1967, 1970, 1976)، دي بوما De Baumas (1947)، بيكارد Picard (1966, 1967, 1970) وكثيرين غيرهم. وتحتل مرتبة خاصة أبحاث كلوس Cloos (1939)، ويليس Willis (1928)، َكينيل Quennell (1958, 1959)، بنتور Bentor (1961)، بندِر Bender (1968)، فرويند Freund (1965, 1969, 1970, 1975) وغيرهم ممن تعاطوا في أبحاثهم مع بنى منخفض البحر الميت.

وتتسم بأهمية كبيرة على صعيد تعرّف خصائص تكوّن وتطوّر المنظومة الرفتية لشرق المتوسط أعمال الجيولوجيين السوفيات في سوريا ومصر (جيولوجيا سوريا، رهط من المؤلفين، 1969؛ كازمين وغيره، 1964؛ كوزلوف وغيره، 1967؛ كراشينيكوف وغيره، 1964؛ بونيكاروف وغيره، 1964؛ بونيكاروف، 1967؛ رزفاليايف، 1965، 1969) وفي شرق إفريقيا (كورونوفسكي وغيره، 1969؛ ميلانوفسكي، 1969، وغيرهم). ولقد أسهمت أبحاث الجيولوجيين السوفيات في سوريا المبنيةُ على مادة فعلية ضخمة إسهاما ذا وزن في تبيان جيولوجية الشطر الشمالي من السطيحة العربية، وبالأخص المنظومة الرفتية لشرق المتوسط. أما ما افترضه عدد من الباحثين (ديكسي، 1958؛ ميلانوفسكي، 1969؛ كورونوفسكي، 1973) من تواصل لمنطقة صدوع شرق المتوسط في حزام القعيرة الإقليمية لمحيط ثيطس فأكدته في الآونة الأخيرة نتائج قراءة الصور الفضائية (ساخاروف، 1975؛ بيجو-ديفال، 1975-76).

إن قِدَم المنظومة الصدعية لشرق المتوسط التي تطورت وارثة لها المنظومة الرفتية لشرق المتوسط أمر أقر به العديد من الباحثين. فالباحث ديكس (1958) رأى انطلاقاً من تاريخ تطور البنى الرفتية للشرق الإفريقي أن المنظومة الرفتية لشرق المتوسط تشكلت على طول صدع قديم الأساس (منذ ما قبل الجوراسي) راح يتجدد في الحقب اللاحقة، وأن الكثير من الصدوع الكبرى الحديثة العهد في الحزام الرفتي للشرق الإفريقي هي في اتجاهها وحتى موقعها موروثة من بنى تعود ركيزتها إلى ما قبل الكمبري. وأيد فكرة تشكل منطقة صدوع البحر الميت منذ القدم أيضا كل من بنتور (1961) ودوبرتريه (1967) وبندِر (1968) وفرويند (1970) وغيرهم. وقد اعتبر هؤلاء أن منطقة صدوع العقبة - البحر الميت – نهر الأردن هي مثابة صدع عميق قديم حصلت على طوله تحركات ابتدأت منذ ما قبل الكمبري. هذا الصدع يبدو كأنه لعب دور "مفصلة" جرت عندها تغيرات سحنية (وتزل ومورتون، 1959؛ بيكارد، 1967). وأدت التحركات التي جرت على جانبي هذا الصدع في الميوسين والبليوسين بحسب كِنِل (1958) وفرويند (1970) إلى انزياح الكتلة العربية شمالاً لمسافة 106 كلم بنتيجة انفتاح خليج عدن والبحر الأحمر وانفصال الجزيرة العربية عن إفريقيا.

البناء الجيولوجي للجرف الشاطئي والمنحدر القاري لشرق البحر المتوسط مدروس قليلاً. ولم يُبدأ القيام بأعمال منتظمة إلى هذا الحد أو ذاك، جيوفيزيائية في معظمها، لدراسة البنية العميقة لجرف شرق البحر المتوسط إلا في أواسط السبعينيات. وعرضت نتائج تلك الدراسات في مقالات وأعمال مختلفة (بونيكاروف Ponikarov V.، 1967؛ فينِتّي Finetti, I.، مورِللي Morelli, C.، 1973؛ مولدرMulder, C.J.، 1973؛ آي.إف.بي. سنكسو IFP CNEXO، 1974؛ ماثيوز Matthews, D.H.، 1974؛ وود سايد Woodside, J.M، 1974؛ نيڤ Neev D. et al.، 1973، 1975-1977). وتمت أيضا أعمال حفر، خاصةً في الجزء الجنوبي من الشاطئ المتوسطي الشرق ( غينزبورغ Ginzburg A. et al.، 1975). وأشير كنتيجة لهذه الدراسات إلى أن منظومة من الصدوع العادية الكبيرة الموازية للشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط والفاصلةِ المنخفضَ العميق الغور للجزء الشرقي من البحر المتميزةَ قشرةُ الأرض فيه  ببناء شبه محيطي عن المنحدر القاري وعن بر الجزيرة العربية، قد شاركت في البناء التكتوني لهذا الشاطئ.

ولحِِظ في وصف البناء الجيولوجي والتكتوني لسوريا، وبالأخص لمنظومة صدوع وطيات تدمر، ميل إلى المقاربة غير الدقيقة في أعمال من سبقوا البعثة الجيولوجية السوفياتية برئاسة بونيكاروف. وقد عرضت نتائج دراسات هذه الأخيرة في مقالات ومؤلفات عديدة. وأنشئت أيضا خرائط جيولوجية وتكتونية وغيرها لكل أراضي سوريا بمقاييس 1/200,000 و1/500,000 و1/1000,000، وهو ما شكل بالنسبة إلينا أساساً للمضي في الدراسة استناداً إلى الصور الفضائية. جدير بالذكر هنا أن البنيان الصدعي الالتوائي التدمري ينظر إليه كثير من الباحثين نظرتهم إلى "أولاكوجين" (أي "مولود خندقاً") (بغدانوف Bogdanov، 1961؛ بونيكاروف وغيره، 1964، 1968، 1969؛ سوليدي كوندراتييف، 1964؛ موراتوف، 1962، 1969 وغيرها؛ كوزنِتسوف وغيره، 1974). وعثر ساخاتوف (1975) وكاتس مع آخرين (1980) على أساس قراءة صور فضائية تشمل منطقة واسعة من الكرة الأرضية على ما اعتُبر صدع تدمر – أبشِرون الضخم الذي يقطع منظومة زاغروس الالتوائية والذي حصل انزياح يساري على طوله. غير أن أحداً لم يشر إلى أي علاقة منشئية (وراثية) بيت القوس التدمري والبناء الالتوائي الألبي.

 

الفصل الثالث. دراسة الطبقات

يضم الشطر الشمالي من السطيحة العربية بضع مناطق بنيوية تكوينية تتميز بمقاطع طبقية مختلفة. فالجزء الواقع في أقصى جنوب المنطقة قيد الدرس يحتله الدرع العربي النوبيّ الذي تظهر في نطاقه على السطح بنى الأساس الالتوائي المعمّر منذ الريفي الأسفل والأوسط. وينطمر الدرع إلى الشمال والشمال الشرقي تحت غطاء رسوبي سطيحي من توضعات عمرها من الحقب القديم (الباليوزوي) والحقبين المت