الرئيسية » مقالات » مقالاتي

الطبقة الوسطى القديمة والجديدة

لدى التحدث عن «الطبقة الوسطى»، ينبغي أن يكون واضحاً لدينا أن هذا المفهوم مثير للجدل للغاية، ‏رغم أنه غالبا ما يُستخدم. فالمصطلح يشمل جماعات مختلفة جداً، بل حتى طبقات (بالمعنى الدقيق للكلمة). قبل ‏كل شيء، يتم التمييز حالياً بين الطبقة الوسطى «القديمة» والطبقة الوسطى «الجديدة». «الطبقة الوسطى ‏القديمة» تعني صغار التجار وأصحاب الدكاكين والحرفيين والمزارعين، أي البرجوازية الصغيرة التقليدية، ‏وأولئك الذين هم أسياد أنفسهم، إذ لا يعملون أجراء عند أي رب عمل. ولكنهم هم أيضاً غالبا ما لا يكترون ‏أجراءً يعملون لديهم، فيعملون بأيديهم أو يستخدمون عمالة أفراد أسرتهم في المتجر أو المطعم أو المزرعة. ‏لقد تنبأ كارل ماركس في حينه بأن تطور الرأسمالية سيفضي إلى تقلص الطبقة المتوسطة. وقال إن قلة منها ‏ستضحي من أصحاب الشركات الكبرى، فيما سينضم معظم أفرادها الذين لن يقووا على منافسة الشركات ‏الكبيرة الأكثر فاعلية، إلى صفوف البروليتاريا. وقد تبين أن هذا التوقع كان صحيحاً، بشكل عام. ففي بلدان ‏‏"العالم الأول" كانت نسبة أصحاب الاستثمارات الصغيرة المستقلة في المجتمع تواصل انخفاضها باطراد، ‏خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الربع الأخير من القرن العشرين (تجدد تنامي عدد أفراد «الطبقة ‏المتوسطة القديمة» بعد التحولات الليبرالية الجديدة منذ السبعينيات جاء، قبل كل شيء، نتيجة لذلك التطبيق ‏المكثف لصيغ نقل تنفيذ المهمات الإنتاجية إلى أجراء يعملون باستقلالية نسبية من خلال مقاولات خاصة مع ‏الشركات المانحة فرص العمل. غير أن هذه «البرجوازية الصغيرة» المحرومة من الضمانات الاجتماعية ومن ‏حماية النقابات لها، تبدو في بعض الأوجه أكثر تعرضاً للظلم من الطبقة العاملة). ‏‏ ومع ذلك، يمكن القول في الوقت نفسه إن الرأسمالية مرت بتغيرات هامة أتاحت التحدث عن ظهور ‏‏«طبقة وسطى جديدة». وقد أفضت إلى ذلك اتجاهات ثلاثة ذات أولوية.‏الاتجاه الأول هو توطّد أسس الملكية وظهور الشركات الكبيرة ذات الهيكلية الهرمية المعقدة. وهنا انفصل ‏الإشراف على الإنتاج عن علاقات التملك. فأصحاب الشركات الفعليون لا يشاركون بعد الآن مباشرة في إدارة ‏الإنتاج، وإنهم لن يستطيعوا جسدياً القيام بهذه المشاركة أصلاً حتى ولو أرادوا ذلك. وهذا ما أدى إلى ضرورة ‏زيادة عدد المديرين. ‏‏ الاتجاه الثاني يتعلق بظهور ما يطلق عليه بعض الباحثين اسم «اقتصاد ما بعد الصناعة»، أو «مجتمع ‏المعلومات»، إلخ. ويعني هذا زيادة في حصة قطاع الخدمات في اقتصادات الدول الرأسمالية المتقدمة، وكذلك ‏زيادة في عدد وأهمية المهنيين والمتخصصين والخبراء من ذوي المستوى التعليمي العالي. فقبل نهاية القرن ‏العشرين، بات عدد المديرين والفنيين يمثل ما بين ربع وثلث مجموع القوى العاملة في المجتمعات الرأسمالية ‏المتقدمة. ‏‏ الاتجاه الثالث تمثل في «تبرجز» الطبقة العاملة في بلدان العالم الأول. فنمو الحركة العمالية، ونشوء ‏نقابات عمالية قوية، وظهور أحزاب اشتراكية جماهيرية ومنظمات ثورية أخرى هي عوامل أجبرت ‏الرأسماليين على تقاسم الأرباح الزائدة التي تم الحصول عليها في أثناء استغلال اقتصادات العالم الثالث التابعة ‏استغلالا مباشراً أو غير مباشر. ورفع مستويات معيشة الطبقة العاملة الأوروبية تم، بين جملة أمور، من خلال ‏ظهور وتعزّز «دول الرعاية الاجتماعية»، أو «دول الرفاه العام». هذه الدول راحت تؤمن المعاشات التقاعدية ‏وغيرها من المستحقات الاجتماعية، وتكفل حقوق النقابات العمالية، وتخفض تكلفة الرعاية الصحية والتعليم، ‏وتعفي في بعض الحالات تماما الطلاب من دفع تكاليفه. كلّ هذا وفر الأموال التي كانت متاحة للعمال لأجل ‏زيادة استهلاكهم بما يتجاوز الضروريات الأساسية.‏‏ وقد أدت هذه الاتجاهات إلى أن بدأ الباحثون في النصف الثاني من القرن العشرين يتحدثون عن ‏‏«مجتمع الثلثين» الذي يتم فيه توزيع العائدات بتساو نسبي، وحيث يشكل ذوو الدخل المتوسط الغالبية (حوالي ‏الثلثين) من السكان. وهذا انعكس أيضا في تزايد عدد المواطنين الذين صاروا يعتبرون أنفسهم من عداد ‏‏«الفئات الوسطى» أو «الطبقة الوسطى» على النقيض من الطبقة العاملة. ‏‏ مشاكل في التعريف، ‏التحول في الوعي الجماعي الذي وصفناه أعلاه قلما ينطبق على الواقع، وكذلك النظريات التي تدعي ‏ظهور طبقة جديدة في «مجتمعات المعلومات» وترحب بسعادة بهذا الظهور. فمن الضروري هنا لفت الانتباه ‏إلى مدى تنوع فئات «الطبقة المتوسطة» وإلى التناقضات الذاتية لهذه الطبقة. وحتى لو كنت لا تأخذ في ‏الاعتبار «الطبقة الوسطى القديمة»، فإن المواقع الطبقية لممثلي «الطبقة الوسطى الجديدة» هي مفعمة ‏بالتناقضات الداخلية. فالمديرون، على سبيل المثال يقومون، من جهة، بإدارة عمل مرؤوسيهم والإشراف عليه، ‏وهم في الوقت نفسه موظفون لدى مالكي الشركات ومضطرون للعمل من التاسعة صباحاً إلى السادسة مساء. ‏السمة الأولى تقربهم من البرجوازية التقليدية، فيما السمة الثانية تميزهم عنها. ولكن العديد من ممثلي فئة ‏المهنيين والمتخصصين (خاصة مع تطور تكنولوجيا الاتصالات التي تتيح توزيع عملية الإنتاج جغرافياً) لا يحتاجون بعد الآن إلى ‏أن يأتوا بانتظام إلى مكاتبهم. وبإمكانهم أن يكونوا أكثر اعتمادا على الذات في التصرف بالوقت وإدارة دوام عملهم، ‏فيبلغون رؤساءهم فقط بالنتيجة النهائية لعملهم هذا. كل هذه السمات تؤدي إلى اختلافات كبيرة في العديد من الجوانب: من نمط العيش إلى وجهات النظر السياسية. ‏‏ وما يسمى بـ «‏العمل غير اليدوي» لا يمكن أن يكون أيضا سمة مميزة من سمات الطبقة المتوسطة. فصغار ‏الكتبة، والباعة، والسكرتاريّة، والعاملون على الصندوق الذين ينفذون أعمالاً روتينية مراقَبةً في الكثير من الأحيان رقابة مشددة من جانب مسؤوليهم هم أقرب ‏إلى الطبقة العاملة، حتى وإن عملوا في المكاتب، وليس في الورش. وخير دليل على ذلك آثار أتمتة أعمالهم: ‏فهي، مثلَ ما في المصانع، أدت إلى انخفاض أجورهم. وإضافة إلى ذلك، زادت نسبة النساء في أماكن عمل هؤلاء، وهن اللواتي لا يحصلن في ‏المجتمعات الأبوية (البطريركية) إلا على أماكن عمل ذات أجور منخفضة ولا ترفع من شأن صاحبها معنوياً.‏‏ وهكذا، يضحي الانتماء الى «الطبقة المتوسطة»، في الحقيقة، في كثير من الأحيان مرادفاً للحصول على دخل متوسط ‏ولاستهلاك قدر معين من السلع والمنتجات. ‏‎فيُحتسب من ضمن هؤلاء أولئك الذين يستهلكون السلع والتي تزيد عن الحد الأدنى اللازم ‏من الغذاء والكساء فلا يعيشون كفاف يومهم كما الفقراء. ولكي يضيفوا وزناً لهذه الفكرة، يسِمون، في كثير من الأحيان، ‏‏«الطبقة المتوسطة» ببعض السمات النفسية والقيم والمبادئ الأخلاقية المحددة. ‏‏ فالعديد من علماء الاجتماع الليبراليين يصفون الطبقة الوسطى ‏بأنها ذات نزعة فردية، وطموحة، و‏تحقق ذاتها بذاتها وتبلغ وضعها في المجتمع دون مساعدة من غيرها، وهي لذا يحق لها ازدراء أولئك الذين بقوا في أسفل الهرم الاجتماعي. ولكن في ما يتعلق ‏بالملكية نرى أن معظم أفراد «الطبقة الوسطى الجديدة» هم بروليتاريون لا يملكون شيئاً من وسائل الإنتاج. ووضعهم في المجتمع ‏إنما هو في الواقع وضع هش جداً ولا يعتمد على الصفات الشخصية لكل منهم، بل على نتائج الصراع الطبقي في الماضي، الصراع الذي أسس «دولة الرفاه» بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى توازن القوى في الزمن الحالي. وإن ‏‏«‏الوضع الطبقي الوسطي‏» (أو بالأحرى ‏‏«‏الدخل الوسطي‏»‏) لهذه الفئات غير المتجانسة ما هو إلا نتيجة للتعليم المجاني أو المنخفض التكلفة الذي حصلوا عليه، وللرعاية الصحية التي مُنِحوها بتكلفة ميسورة، ولنظام التقاعد، ولاستحقاقات ‏البطالة وغيرها من الاستحقاقات الاجتماعية، ولوجود نقابات عمالية قوية، توصلت بالفرض والإكراه إلى تحسين ظروف العمل. وهذا ‏يعني أن نجاحات الطبقة المتوسطة هي نتيجة للكفاح الجماعي، وليس للتكيف الفردي، كما يزعمون.‏ إن الفكرة التي تصور بنية المجتمع وكأنه مقسوم إلى طبقات «عليا» و«متوسطة» و«دنيا» لا تقبل البحث في العلاقة ‏بين الطبقات الاجتماعية. فلعل الأمر لا يتعدى اختلاف فرص الحياة الفردية، وما يمكن للمرء تحقيقه في حياته ‏كونه ينتمي إلى هذه الطبقة أو تلك، أو احتمال تغييره وضعه الطبقي، وانتقاله صعودا ‏وهبوطا في سلم التسلسل الهرمي الاجتماعي. ولكن من غير المرجح، كما يظهِر بشكل مقنع عالم الاجتماع الاميركي المعاصر إريك ‏أولين رايت، أن يمكننا، في ظل مثل هذه المفاهيم، البحث بكفاءة في مسألة الاستغلال ‏الطبقي، بل حتى إثارة هذه المسألة التي هي مسألة مركزية بالنسبة للمفاهيم الماركسية. واذا كنا لا نتحدث عن الاستغلال الطبقي، فإننا لا ‏نتحدث عن الصراع الطبقي، هذا الصراع الذي يشكل عاملا أساسيا من عوامل التقدم التاريخي، على عكس تأقلم الأفراد وانتهازهم الفرص وترقّيهم في السلم الاجتماعي على حساب الآخرين، وهو ما يبقي التسلسل الهرمي الاجتماعي دون تغيير. فالاعتداد بالذات واعتبار المرء نفسه من عداد الناجحين و"الشطّار" من بين أفراد «الطبقة ‏الوسطى»، إذ تقدم عن سواه متميزاً بفضل ما يدعيه من ذكاء وموهبة وحب للعمل، كثيرا ما يكون اعتداداً ‏خاطئاً، بل أيضا ضاراً على صعيد تآكل الوعي الطبقي، هذا الشرط الضروري للانتصارات الجماعية. ‏‏ انتفاضة الطبقة الوسطى، اهتم علماء الاجتماع النيوويبريون ‏ بمسألة الحراك الاجتماعي الرأسي كطرحهم السؤال: أيمكن ‏لطفل من أسرة عاملة الانتقال إلى صفوف الطبقة الوسطى، ولطفل من الطبقة الوسطى الانتقال إلى صفوف الطبقة العليا؟ وقد أظهرت دراستهم أن إمكانية هذا الانتقال محدودة جدا. فالمرء لا يسعه، عادة، مغادرة الطبقة الاجتماعية التي ‏ولد وترعرع في أفيائها. وبدلا من ذلك، تكاثر في السنوات الأخيرة الانحدار إلى درك أسفل بسبب الإصلاحات الليبرالية ‏الجديدة. ‏‏لقد أوجدت سياسات بناء «دولة الرفاه» الكينزية بعد الحرب العالمية الثانية هيكلية للمجتمع شبيهة بالمعيَّن الهندسي: فالفئات الوسطى باتت الأكثر تعداداً في المجتمع، فيما ضاق نطاق الفئات العليا والسفلى. ولكن هذه الهيكلية كانت طوال ‏السنوات الثلاثين الماضية «تنحدر» تدريجيا نحو هرمٍ يضحي فيه معظم المجتمع في الأسفل، فيما عدد قليل جدا من الناس يتصرف بمعظم ‏الثروة الاجتماعية. ‏‏وقد كان رد فعل المجتمع الغربي على ما حصل في الدول المنبثقة عن انهيار الاتحاد السوفياتي من هرمية طبقية فاضحة، كما وصفه عالم الاجتماع الروسي اليساري بوريس كاغارليتسكي ‏Kagarlitsky‏، هو «انتفاضةَ الطبقة ‏المتوسطة». فالفئات الوسطى القلقة من احتمال التطاول على امتيازاتها أخذت تنتفض ضد هذه التوجهات، مبدية عزماً على الاحتجاج شديداً، وربما حمل في طياته تهيئاً لثورة محتملة. ‏‏ ويُعتقد ان الطبقة الوسطى، الدعامة الطبيعية للرأسمالية والديمقراطية الليبرالية، أي الناس المتعلمين ‏الذين لديهم ما يفقدونه، سوف يجهدون للمحافظة على هذا الوضع بالذات. ولكن إذا نظرنا إلى التاريخ، أمكننا العثور على ممثلي الطبقة ‏الوسطى في أنواع وأطياف الحركات السياسية كافة - من الفوضويين إلى الفاشيين. ويمكننا أن نرى تركّز «الطبقة ‏الوسطى القديمة» بين مؤيدي ماخنو في أيام الثورة الروسية والحرب الأهلية التي تلتها، وكذلك بين مؤيدي الحركات اليمينية الأوروبية بين العشرينيات والثلاثينيات. ‏‏أما «الطبقة الوسطى الجديدة» فولّدت «أيار الأحمر» عام 1968 وحركة الـalterglobalists‏ ("عالم آخر ممكن!") في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. وثمة الكثير من الثوريين الشهيرين خلال القرنين الماضيين تحدّر على وجه التحديد من صفوف «الطبقة المتوسطة». ‏‏وها هم ممثلوها اليوم يشككون بشكل متزايد في صحة عقيدة الرأسمالية الليبرالية، والأمر الغريب أيضاً أنهم، في بعض المسائل، يبدون حتى أكثر يسارية من الطبقة العاملة «التقليدية». ‏‏ في الواقع، ليس ثمة ما يدعو إلى الدهشة في أن يضحي سكان المدن الكبيرة الأكثر شباباً وتعلماً بين الأكثر نشاطا سياسياً. فهم بذلك يزيدون ببساطة فرص مشاركتهم في الأنشطة السياسية العامة. ولديهم وقت أكبر وقسط أقل من المسؤوليات العائلية، ‏وهم ليسوا قلقين كثيراً بشأن الحصول على الأجر والمال كما ذووهم، بينما لديهم ما يكفي من رأس المال الثقافي، ما يتيح إجراء تقييم نقدي للمجتمع الذي ‏يعيشون فيه، ومهارات كبيرة في مجال التنظيم الذاتي. ولكننا لا نتحدث هنا عن «طبقة وسطى» متجانسة، لها المصالح ذاتها. ‏‏إن مصير «الطبقة المتوسطة» كظاهرة يعتمد على ما ستؤول إليه الأزمة الراهنة. فيتوقع كثير من العلماء ‏تعزيز إجراءات الحماية الاقتصادية وعودة أساليب كينز في الإدارة الاقتصادية، والتي من شأنها دعم وإحياء الفئات المتوسطة، اللازمة لسير ‏عمل النظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث. ولكن هذا الأمر سينكب عليه إما حكومات اشتراكية ديمقراطية جديدة، وإما أنظمة استبدادية ‏يمينية شعبوية تستخدم في نهجها سياسة الكراهية للعمال الأجانب بوصفهم منافسين لليد العاملة المحلية ومتسببين في مشاكلها الحياتية. ‏‏ هذا التكهن وارد جداً بالنسبة إلى الدول الغربية. ولكن، هل يمكن الحفاظ على مستوى استهلاك مماثل في ‏جميع البلدان، أي على النطاق العالمي؟ إن زيادة الإنتاج والاستهلاك لها حدود طبيعية والطبيعة لا يمكن تجاوزها. فماذا سيحدث لو ‏أضيف إلى «المليار الذهبي» الحالي مليار آخر هو الصين، ثم مليار آخر أيضا هو الهند، يريد العيش برفاه؟ المخرج المقترح هو تجميد الوضع الحالي بالانتقال إلى «النمو الصفري» للاقتصاد العالمي وللسكان. ‏‏ وهذا الـstatus quo يناسب جداً المجتمعات الغربية التي تعيش الآن بالفعل بشكل جيد جدا، ولكن المشكلة هي في أن الصينيين ‏والهنود يريدون هم أيضاً أن يعيشوا عيشة رخيّة. فهناك الآن فرق كبير بين الطبقة المتوسطة في الصين والهند وروسيا وأوكرانيا وفي الولايات ‏المتحدة وبريطانيا والسويد. والطبقة المتوسطة في البلدان الأكثر فقرا قد شهدت بأم العين الواجهة الجذابة للعالم الغربي ‏واستحوذتها ميزاتها ومحاسنها. ومعظم هؤلاء الناس اعتادوا مشاهدة أفلام هوليوود، ويحلمون ببيت لهم مهما صغر، وبسيارة (بل أفضل اثنتين)، ومن شأنهم أن يغضبوا لو حرموا من فرص الحصول على كل هذه المنافع. وكنتيجة لذلك، قد لا يمكن الحفاظ ‏على الوضع القائم، بل تحصل إعادة توزيع للموارد على الصعيد العالمي. ويتنبأ منظرو مدرسة تحليل النظام العالمي بظهور بنية ‏بيروقراطية عالمية سوف تضبط الاقتصاد العالمي، وتوزع ثماره بين كل السكان. وإن واقعية هذا الخيار تتوقف على من ‏سيكون أقوى، القاعدة الشعبية وتحركاتها الاحتجاجية، أو حكم القلة أو النخبة.في حالة انتصار الأخيرة يمكن التنبؤ بانحسار موجة الديمقراطية الليبرالية وتشكل أنظمة استبدادية سوف تعمل بالعنف والقمع على احتواء استياء الأغلبية والحفاظ على مستويات معيشة مرتفعة ‏للأقلية. ومما لا شك فيه أن معظم دول العالم الثالث سوف يحتل بحسب هذا المخطط مراتب الغالبية الفقيرة والمظلومة، وليس بحالٍ مرتبة القلة المزدهرة في العالم الأول.

الفئة: مقالاتي | أضاف: Michelya (25.01.2011)
مشاهده: 174 | الترتيب: 0.0/0
مجموع المقالات: 0