الرئيسية » مقالات » مقالاتي

عن دور مارغريت تاتشر في تدمير الاتحاد السوفياتي


عن دور مارغريت تاتشر في تدمير الاتحاد السوفياتي

في نوفمبر / تشرين الثاني عام 1991، جاء خبراء في تكرير النفط والصناعات البتروكيماوية في الولايات المتحدة إلى مدينة هيوستن (تكساس) للمشاركة في اجتماع يوبيلي على ما يبدو لمعهد البترول الأمريكي(API) . هذا المعهد بالمفهوم الأمريكي هو نوع من جمعية شبه اجتماعية تنظم الاجتماعات الدورية لشركات البترول والبتروكيماويات (بما في ذلك المتنافسة فيما بينها) التي كانت هنا تعمل على تدوير الزوايا و"التوفيق بين" مصالحها المتناقضة. وقد دعيت إلى اجتماع معهد IPA كضيف شرف مارغريت تاتشر التي كانت قد صارت منذ بعض الوقت بمثابة رئيسة وزراء سابقة لإنجلترا. وبالمناسبة، مارغريت تاتشر كيميائية من حيث تحصيلها العلمي، إلا أنها عملت قليلا جدا في هذا التخصص.

 

ألقت مارغريت تاتشر خطاباً سياسياً بحتاً لمدة 45 دقيقة عنوانه "كيف دمرنا الاتحاد السوفياتي".

لقد كان دور مارغريت تاتشر في تدمير الاتحاد السوفياتي بالفعل أساسياً وهي أرادت أن تتحدث عن هذا بكل صراحة. وتقييمها لحالة الاقتصاد السوفييتي وما صار إليه من تحولات مختلف تماما عما كان يقدم للسوفيات آنذاك من معلومات في وسائل الاعلام السوفياتية إياها.

مما قالته تاتشر في خطابها ذاك: "إن الاتحاد السوفياتي كان في الواقع يشكل تهديدا خطيرا للعالم الغربي. أنا لا أتحدث عن التهديد العسكري. فهو لم يكن موجوداً أساساً. فبلداننا مسلحة تسليحاً جيداً، بما في ذلك التسلح بالأسلحة النووية.

أنا أعني بذلك التهديد الاقتصادي. فبفضل سياسة التخطيط والمزيج الغريب من الحوافز المعنوية والمادية، كان الاتحاد السوفياتي قادرا على تحقيق أداء اقتصادي مرتفع. فنسبة نمو الناتج المحلي الاجمالي كانت بحوالي مرتين أعلى مما كانت عليه في بلداننا. واذا ما نظرنا أيضاً الى الموارد الطبيعية الهائلة للاتحاد السوفياتي، أمكن القول أنه كانت لديه، في ظل إدارة رشيدة، إمكانية حقيقية جدا لطردنا من الأسواق العالمية.

لذلك نحن كنا دائما نتخذ خطوات تهدف إلى إضعاف اقتصاد الاتحاد السوفياتي وإيجاد مصاعب داخلية لديه.

وكان الأهم بينها فرض سباق تسلح عليه. كنا نعرف أن الحكومة السوفييتية كانت تتمسك بمذهب تكافؤ أسلحة الاتحاد السوفييتي وأسلحة خصومه في منظمة حلف شمال الأطلسي. ونتيجة لذلك، كان الاتحاد السوفييتي ينفق على صنع الأسلحة حوالي 15٪ من ميزانيته، بينما كانت بلداننا تنفق حوالي 5٪ فقط. وكان لهذا بالطبع تأثير سلبي على اقتصاد الاتحاد السوفياتي. فكان مضطراً إلى الاقتصاد والتقتير في الاستثمارات في مجال إنتاج ما يسمى السلع الاستهلاكية. وكنا نتوقع أن يسبب هذا استياء واسع النطاق بين السكان السوفيات. وكان من بين أساليبنا في التعامل معه "تسريب" معلومات تزعم أن لدينا من الأسلحة أكثر بكثير مما هي الحال عليه حقا وفعلاً، وذلك لحث الاتحاد السوفياتي على بذل استثمارات إضافية في هذا المجال غير الملائم وغير المفيد اقتصاديا.

واستحوذ مكانا هاما في سياستنا أخذ العيوب التي نراها في دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في الحسبان. فهذا الدستور سمح رسميا لمن يرغب من جمهوريات الاتحاد السوفييتي بالانسحاب الفوري من قوامه (وتقريبا بأغلبية بسيطة في مجلسها الأعلى). لقد كان هذا الحق في ذلك الوقت مستحيلاً تنفيذه تقريبا بسبب تماسك الحزب الشيوعي والقوى الأمنية. ومع ذلك كانت في هذه الميزات الدستورية فرص محتملة لإنفاذ سياساتنا.

على الرغم من الجهود التي كنا نبذلها، ظلت الحالة السياسية في الاتحاد السوفياتي للأسف لفترة طويلة مستقرة جدا. وقد احتلت مسألة إنشاء نظام الدفاع الصاروخي الذي عرف باسم "حرب النجوم" دورا كبيرا في تشكيل سياساتنا (وبصورة أساسية في تشكيل سياسة الولايات المتحدة). و يجب أن أعترف هنا بأن معظم الخبراء كانوا ضد إنشاء ذاك النظام الصاروخي لأنهم كانوا يعتقدون أنه سيكون مكلفا للغاية وأنه لن يمكن الاعتماد عليه، وأن هذه الدرع الصاروخية سيمكن اختراقها من قبل الاتحاد السوفياتي إذا ما وظف استثمارات إضافية في صنع الأسلحة "الهجومية" تكون أصغر بكثير (بـ5-10 مرات) من الاستثمار في مشروع الدرع. ومع ذلك، تم اتخاذ قرار بشأن تطوير المشروع إياه على أمل أن ينشئ الاتحاد السوفياتي نظاماً مماثلاً له في تكلفته. وللأسف الشديد، لم تتخذ الحكومة السوفياتية مثل هذا القرار، واكتفت بإعلان الاحتجاج سياسياً على مشروع الدرع.

كان هناك وضع صعب للغاية بالنسبة لنا. ولكن سرعان ما تلقينا معلومات حول قرب وفاة الزعيم السوفييتي وإمكانية وصول شخص إلى السلطة بمساعدتنا نستطيع من خلاله تحقيق مآربنا ونوايانا. كان هذا تقييم الخبراء الذين يعملون لدي (وقد كنت دائما أجهد لتشكيل فريق من الخبراء في شؤون وشجون الاتحاد السوفياتي المؤهلين تأهيلا عاليا والمساعدين بالقدر اللازم على تعزيز هجرة من يلزم من الخبراء والاختصاصيين من الاتحاد السوفياتي).

كان هذا الرجل هو ميخائيل غورباتشوف الذي عرّفه الخبراء كشخص غير حذر وقابل للإيحاء وذا طموحات شخصية. وكانت له علاقة جيدة بمعظم أطراف النخبة السياسية السوفيتية، وبالتالي كان تسلمه مقاليد السلطة بمساعدتنا أمراً ممكناً.

إن أنشطة "الجبهات الشعبية" التي شكلت آنذاك لم تكن تتطلب الكثير من المال. فهي كانت في معظمها تتألف من تكلفة أجهزة الاستنساخ والدعم المالي للموظفين. ومع ذلك، فقد بذلنا موارد كبيرة جدا لدعم إضرابات عمال المناجم الطويلة.

كان ثمة نقاش واسع بين الخبراء حول مسألة ترشيح يلتسين لتزعم "الجبهة الشعبية" في روسيا مع احتمال انتخابه لاحقاً رئيساً لمجلس السوفيات الأعلى في الجمهورية الروسية ثم حتى رئيساً للجمهورية الروسية (ليوازن بذلك زعامة رئيس الاتحاد السوفياتي ميخائيل. غورباتشوف). وكان معظم الخبراء ضد ترشيح بوريس يلتسين نظرا لماضيه وسمات شخصيته.

غير أن اتصالات وترتيبات جرت فتقرر "دفع" يلتسين إلى الترشح. وبصعوبة كبيرة انتخب يلتسين رئيساً لمجلس السوفيات الأعلى الروسي وأقر على الفور إعلان سيادة واستقلال روسيا. والسؤال كان عمن تستقل روسيا إذا كان الاتحاد السوفياتي قد تشكل ذات يوم حول روسيا بالذات؟ إلا أن هذا كان في الحقيقة بداية لانهيار الاتحاد السوفياتي.

وقدِّمت مساعدات كبيرة لبوريس يلتسين أيضا خلال أحداث أغسطس/آب عام 1991، عندما حاولت القيادة العليا للاتحاد السوفياتي عبر محاصرة غورباتشوف استعادة النظام الذي يضمن وحدة وسلامة الاتحاد السوفياتي. وقد استطاع الموالون ليلتسين الإمساك بالسلطة، كما حصل يلتسين على سلطة فعلية كبيرة (وإن لم تكن كاملة) على القوى الأمنية.

جميع الجمهوريات السوفيتية استفادت من هذا الوضع، فأعلنت سيادتها (على الرغم من أن العديد منها فعل ذلك في شكل غريب، لم يستبعد عضويتها في الاتحاد).

وهكذا، حصل الآن انهيار فعلي للاتحاد السوفياتي. ومع أن الاتحاد السوفياتي لا يزال موجوداً نظرياً، بحكم القانون، أود أن أؤكد لكم أنكم ستسمعون في خلال الشهر المقبل بتفكيكه رسمياً".

نزلت مارغريت تاتشر من على المنبر على صوت التصفيق وسارت سير المنتصر عبر القاعة وهي تصافح الأيدي الممدودة.

وبعد أسبوعين تقريباً من خطاب تاتشر هذا ورد خبر اتفاق  "بيلوفيجييه" على تفكيك الاتحاد السوفياتي بين رؤساء الجمهوريات الرئيسية الثلاث التي كانت تؤلفه وهي روسيا وأوكرانيا وبيلوروسيا. والباقي يعرفه الجميع.

الفئة: مقالاتي | أضاف: Michelya (21.04.2013)
مشاهده: 282 | الترتيب: 0.0/0
مجموع المقالات: 0