الرئيسية » مقالات » مقالاتي

معركة سوريا هي معركة روسيا
معركة سوريا هي معركة روسيا
يرى البعض أن الأحداث في سوريا هي حرب أهلية، ويرى آخرون أنها صراع مذهبي أو صراع حضارات. ولعل كل هذه الجوانب موجودة، ولكن المهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو أن بشار الاسد لا يخضع لإرادة واشنطن، وما دام كذلك فإنه يجب استبداله. فمنذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين راح أعضاء المعارضة السورية يزورون للتشاور منظّر وإيديولوجي "الثورات الملونة" جين شارپ الشهير عالمياً في هذا الميدان. ولئن نجحت "الثورة الملونة" في بعض بلدان العالم العربي وسميت هزءاً بـ"الربيع" العربي، إلا أنها في سوريا فشلت. فانتقل معارضو حكم حزب البعث العلماني المعتدل بقيادة الرئيس بشار الأسد جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة، باسم محاربة الطغيان وإحلال الديموقراطية، كما جرت العادة، إلى استخدام وسائل العنف الدموي وطغيان القوة والإرهاب. وهو ما كانت قد فعلته أميركا عشرات المرات حيال البلدان الأخرى. ففي الفترة الواقعة بين عامي 1945 و2003 وحدها، حاولت الولايات المتحدة الاطاحة بالحكم في أكثر من 40 بلدا، وفي أكثر من 30 بلداً قمعت الحركة الوطنية والشعبية حين حاربت هذه الأخيرة الأنظمة الديكتاتورية في بلدانها، وقصفت بالقنابل 25 بلدا. ونتيجة لذلك، سقط بضعة ملايين من القتلى وأجبر الملايين منهم على العيش في متاهات العذاب واليأس. هذه الإحصاءات التي لا تقبل الشك أوردها المؤرخ والباحث الأميركي وليام بلوم (William Blum) في كتابه الشهير "اغتيال الديمقراطية". فلم تسلم من من براثن التدخل الأميركي التي لا ترحم، التدخل المبطن أو السافر، دولة حاولت في القرن العشرين أن تتخذ لنفسها مساراً مستقلاً وأن تنهج نهج الإصلاحات التقدمية لصالح شعبها. فالخطة الأميركية هي هنا إذاً تدمير نظام الأسد واستبداله بأي نظام آخر يكون ممالئاً لها، وحتى ولو كان هذا النظام "دولة الإسلام في العراق والشام"! العقيدة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة تنص بوضوح على أن الغرض الرئيسي لأميركا هو منع ظهور دولة أو مجموعة من الدول يمكن أن تتحدى هيمنة الولايات المتحدة على العالم. وهذا الهدف لا يخفيه الأميركيون على الإطلاق. ولأجله كل شيء مباح ومتاح. فالغاية تبرر الواسطة كما يقول ماكيافللي. وسوريا خير مثال على ذلك. ففي سوريا يتم الآن على قدم وساق سيناريو القوة باستخدام المرتزقة الذين أتوا من 28 دولة، وثمة من يقول أكثر، ليقاتلوا ويزرعوا الرعب بين السكان. إذاً هناك غزو لسوريا من جانب "أممية إرهابية ملونة" يتخذ اسم "الثورة" و"الثوار" تيمناً بثورات "الربيع العربي" التي هي الأخرى موضع تساؤلات كثيرة عند الكثيرين من العرب وغير العرب. في السنوات الـ 12 الماضية جاهدت الولايات المتحدة جهاداً مضنياً في الشرق الأوسط بالذات لتغيير معالمه في إطار مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، هذه الصيغة المعاصرة لاتفاقية سايكس بيكو التي قسمت وشرذمت العالم العربي، ولنشر "الفوضى البناءة" والحروب الطائفية والمذهبية فيه. ولم تكن حرب إسرائيل في العام 2006 ضد لبنان بقيادة كوندوليزا رايس سوى حلقة من حلقاته. وكانت روسيا لا تزال غائصة في وحول ثورتها هي الملونة. فلم تكن لتحرك ساكناً حين احتُلّ العراق بعد أفغانستان وحين هوجمت واحتُلت ليبيا... إلا أن الدب الروسي استفاق أخيراً من سبات صقيع "البيريسترويكا" و"الإصلاحات"، حيث كانت سياسة الرئيس الروسي يلتسين ووزير خارجيته كوزيريف في التسعينيات لا ترى "عدوا" لروسيا "بعد اليوم" في المقلب الغربي. فتحرك إثر توتير الأوضاع في سوريا بغية إسقاط الحكم المتحالف مع إيران فيها واستخدام هذه النتيجة كبوابة لولوج إيران وإخضاعها والاستيلاء على كل نفط الشرق الأوسط. ولعل تحرك روسيا ومعها الصين الآن جاء لأن سوريا وإيران تعنيان الكثير بالنسبة إليهما. فهما بمثابة خط الدفاع الخارجي الأبعد للجبهة الجنوبية لروسيا، وإيران مزود أساسي للصين بالنفط، نجيع اقتصادها. فالجبهة الروسية الغربية حاصرتها الولايات المتحدة بكمّ كبير من أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي، ومن القواعد العسكرية. وفي الوقت الراهن تعمل واشنطن لترتيب الجبهة الجنوبية على النحو عينه. والمقصود من عدم الاستقرار الذي تم افتعاله في سوريا هو في المقام الأول إيران، وفي المقام الثاني روسيا. وأخيرا، هو الصين التي تعتقد الولايات المتحدة أنها العدو الاستراتيجي الرئيسي لها. فحين تقبض الولايات المتحدة على ناصية النفط كله في هذه المنطقة الغنية بالموارد النفطية، فإنها سوف تقبض لاحقاً على ناصية الاقتصاد الصيني الذي يتقدم بخطى هائلة وتلجم تطوره في معركتها العالمية من أجل استمرار الهيمنة. اليوم، لا يمكن لروسيا إلا أن تمد يد المساعدة لسوريا، وإلا كان نصيبها الحصول على نفس الفوضى الهدّامة على حدودها الجنوبية: في القوقاز وآسيا الوسطى وعلى طول نهر الفولغا في خلال عدد قليل من السنوات ربما. إن رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على العالم تمليها احتكاراتها، يمليها تماهي السياسة ورأس المال الكبير فيها، حتى لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر مثلما لا يمكن فصل توأمين. ويحدو هذه الرغبةَ السعي إلى الاستيلاء على الأسواق والموارد. الموارد الأرخص ما أمكن ذلك، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية والديون الهائلة التي بلغت ملايين التريليونات. فالأزمة الاقتصادية هذه التي ابتدأت، في الواقع، في العام 2008، برز تأثيرها في العام 2010 حين حصل التدخل في ليبيا. وليبيا هي شمال أفريقيا. وليبيا القذافي كانت على شفا إنشاء بنك لتمويل المشاريع الإفريقية. وهذا من شأنه أن يسحب البساط من تحت أقدام البنك الدولي الموجود تحت الهيمنة الميركية والغربية والمشكل أداة من أدوات هيمنتها على العالم اقتصاديا وسياسياً. وموارد أفريقيا هي ما تبقى من موارد لم تستول عليها بعد الحكومة الأميركية. ففي أفريقيا تنشط جدا الصين التي هي أيضا في حاجة ماسة إلى الموارد. ولكن هذا "الطمع" الصيني غير مقبول من وجهة نظر الولايات المتحدة. وما هو مسموح لجوبيتر غير مسموح للثور!!! إن مفهوم "غزو بلد ما" قد تغير منذ الحرب العالمية الثانية، فهو يعني من وجهة نظر الولايات المتحدة تنصيب قيادة طيعة على البلاد والعباد، تعيين دمية تخدم مصالح الولايات المتحدة في داخل البلد المعني وفي المنطقة التي هو جزء منها. فهي، على سبيل المثال لا الحصر، نصبت ساكاشفيلي رئيساً على جمهورية جورجيا السوفياتية سابقاً، فكان مفتونا بما فيه الكفاية بمصالح الولايات المتحدة ليبدأ حرباً ضد روسيا. وأعاد رسم الخريطة الجورجية سياسةً واقتصاداً وقوات مسلحة ليجعلها خاضعة لمصالح أميركا. بل يمكن هنا الاستطراد والقول أن لا اقتصاد جورجياً في الواقع. وساكاشفيلي - وفقا لما صرحه هو نفسه - عرض على أميركا أن تصبح جورجيا مثابة إسرائيل القوقاز، أي موطئ قدم آمن للأميركيين في القوقاز. والأمثلة كثيرة على ذلك في العالم العربي، لا داعي لذكرها لأن أي عربي بات يعرفها. إن اتفاق وزيري الخارجية الروسي والأميركي لافروف وكيري على إيجاد حل سلمي للقضية السورية قد حظي بدعم القوى السياسية الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة. ولم يقف ضده سوى الجمهوريين في الولايات المتحدة والمعارضة في سورية. فهذا مثلا الجمهوري ايغور فيتيل يسدي النصح لأوباما بقوله: "علينا أن نقصف السوريين بالقنابل كي يتوقف بعض السوريين عن قتل السوريين الآخرين". هكذا إذاً!!! لا يفلّ الحديد إلا الحديد... والنار. حتى اللحظة، حققت روسيا في الوضع السوري انتصارا دبلوماسيا. فقد فشل سيناريو استخدام القوة والقيام بعمل عسكري من قبل الولايات المتحدة وحلفائها ضد سوريا. غير أن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة قد تخلت عن فكرة تغيير النظام هناك. قد تتغير فقط الوسائل والأدوات. لكن هذا الفشل لن يؤدي إلا إلى تغيير نهج الولايات المتحدة التكتيكي، ولن يؤدي في أي حال إلى تغيير الاستراتيجية. وقد أكد وزير الخارجية الأميركي كيري مرارا وتكرارا أن الأسد لا ينبغي أن يكون جزءا من سوريا المستقبلية. والمراقبة الدولية للأسلحة الكيميائية السورية، هذه المراقبة التي اعتمِدت بناء على اقتراح من روسيا، هي بمثابة فوز في المعركة الروسية من أجل سوريا. فجاءت بعد أن لُجمت إلى حين الاندفاعة الأميركية بمثابة جائزة ترضية لقاء تهدئة الثور الهائج وحفظ لماء وجه أوباما المتكدر. ولكن الحرب غير مستبعدة رغم كل شيء. وفي هذا الإطار الجديد من المراقبة الدولية للأسلحة الكيميائية السورية لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بإمكان توجيه ضربة عسكرية ما لم تف حكومة الأسد بوعودها. وبطبيعة الحال، يبقى وفاء الأسد بوعوده أو عدمه شأناً يقرره قاضي القضاة الأميركي. وهنا تمتلك الولايات المتحدة موارد هائلة من وسائل الإعلام والدعاية. ومع ذلك، هي المرة الأولى منذ عام 1991 لم تنجح فيها الدعاية الداخلية في الولايات المتحدة. فقد فشل البيت الأبيض في إقناع الرأي العام الأميركي (استطلاعات الرأي أظهرت أن أكثر من نصف الأميركيين ضد قصف سوريا). وهو حتى فشل في إقناع الكونغرس، على الرغم من أن لدى الكونغرس والبيت الابيض ما يكفي من النفوذ. إنها بالفعل حالة فريدة من نوعها. فلأول مرة على مدى السنوات الـ20 الماضية يرفض الرأي العام الأميركي والكونغرس الموافقة على السياسة العسكرية للسلطة التنفيذية. فمن المعروف أن الغالبية العظمى من أعضاء الكونغرس كانت ذاهبة إلى التصويت ضدها. ولذلك تم إلغاء التصويت. وإلا لجاءت الصفعة مدوية. لقد حققت روسيا نجاحاً دبلوماسياً هذه المرة، إلا ان من المهم جدا ألا يعيش المرء على أمجاد الانتصار. فلتثبيته عليه أن يطوره نحو المزيد من النجاح. والولايات المتحدة الأميركية لن تلبث أن تخرج من ورطة التأثير الإعلامي الباهر الذي حققته روسيا لتبدأ تتصرف كما عودتنا، ترفع عصاها الغليظة في وجه كل من يقول لها "لا". ولعله لا بد مواصلة الجهود من أجل التوصل إلى تسوية سلمية لا تزال أساسية ومبدئية في هذه المسألة. وبهذه الطريقة فقط يمكن لروسيا الفوز فعلاً في المعركة من أجل سوريا، وفي نهاية المطاف، في المعركة من أجل روسيا.
الفئة: مقالاتي | أضاف: Michelya (28.09.2013)
مشاهده: 199 | الترتيب: 0.0/0
مجموع المقالات: 0