الرئيسية » مقالات » مقالاتي

البرجوازية اللبنانية "الذكية" و"حروب الآخرين على أرضنا"!

الطبقة البرجوازية اللبنانية الحاكمة منذ أمد بعيد، وريثة الأمراء الإقطاعيين، هي طبقة "ذكية" بامتياز إلى حد استحماق كل الباقين من أبناء الشعب. فهي دائما تطلع كما الشعر من العجين من كل قطوع تزج فيه البلاد والعباد، وتكاد تخالها متخمة (هي متخمة فعلاً ولكن بأسباب اليسر وسعة العيش!) بالأبطال الميامين المكافحين في سبيل الحرية والسيادة والاستقلال الوطني. ولكن عندما تتذكر أنها هي التي تأتي دائما بالدب إلى الكرم، وهي التي تستقبل على الرحب والسعة "حروب الآخرين على أرضنا" باستجدائها الإنقاذ ممن كانت هي سبب مجيئه إلى بلادنا على يد من كانت هي نفسها سبب مجيئه قبل ذاك إلى بلادنا أيضا. فبرجوازيتنا العزيزة "باعت" عبد الناصر والعرب عام 1969، قبيل أيلول الأسود في الأردن عام 1970، الوجود الفلسطيني في لبنان، لأنها دائما تشتري وتبيع منذ أيام الفينيقيين، وليس لأنها كانت مع الحق الفلسطيني وضد الظلم الإسرائيلي الصهيوني. ثم في العام 1975 بدأت معركتها الحاسمة ضد هذا الوجود في نيسان الأسود. وبعد عام، حين "أحست بالسخن" من جراء ضربات القوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة، قررت أن تستغل التناقضات المزمنة بين النظام السوري وعرفات، فدعت السوريين من خلال مناشدة الثلاثي الجميل-شمعون-فرنجية الآباء، بعد استشارة أميركا طبعاً، إلى احتلال لبنان وتخليصها من براثن الفلسطينيين المتحالفين مع القوى القومية واليسارية والإسلامية. وقد أبلى هؤلاء المدعوون بلاء حسناً إذ ضربوا هذا وضربوا ذاك، ذات اليمين وذات اليسار، لكي تتساوى القوى فتصبح محصَّلتها صفراً، لعل بهذا يخلو الجو ويعود الهدوء إلى الربوع ويسهل التطويع وتسوغ الوصاية. ولكن برجوازيتنا "الذكية" إياها راحت في هذا الوقت تعمل في العلن والخفاء على حد سواء لتطرد السوريين... على يد الإسرائيليين!! بعد أن أنقذها أولئك من الهزيمة على أيدي القوات المشتركة وبعد أن ساهموا في طرد الفلسطينيين المعاندين في مخيم تل الزعتر. وهكذا جاء الإسرائيليون بالتنسيق معها في العام 1982 ليطردوا "لها" سوريا ويكملوا في الكرنتينا والضاحية الجنوبية من بيروت ما تم "التمرن" على تنفيذه في تل الزعتر، ولينال زعماؤهم المغرقون في العنصرية بالطبع جائزة نوبل للسلام! (مسكين نوبل، فهو منذ زمان يتململ في قبره!)، ولم يكن مجيئهم ذاك، كما قلنا، بمعزل عن رغبة البرجوازية اللبنانية، ولا سيما جناحها الأشد تأمركاً، في إخراج سوريا من لبنان بعد أن قامت بواجبها، وفي "إنهاء حروب الآخرين على أرضنا"! غير أن المقاومة اللبنانية طردت المحتل الإسرائيلي من بيروت جنوباً بعد أن استطاع هو إبعاد الفلسطينيين شذر مذر إلى عدد من البلدان العربية. وكان وجود زعماء منظمة التحرير الفلسطينية الذين شكلوا في بعض لبنان "دولة داخل الدولة" بواسطة الأموال العربية التي كانت تغدق عليهم سخية، مثابة القربان أو الضحية التي قدِّمت على مذبح حل الصراع العربي الإسرائيلي في لبنان ومن أجل لبنان حلاً مؤقتاً. وبما أن الإسرائيليين ما كان بإمكانهم القيام بـ"التهدئة" المطلوبة في لبنان الفالت من عقاله في ظروف الحرب الأهلية من دون مساعدة العامل العربي، فقد سلموا هذه المهمة إلى الوجود السوري في لبنان وإن كانوا متأكدين سلفاً من أن هذا الوجود لا يجب أن يدوم طويلاً. ولهذه الرغبة الإسرائيلية مقوماتها الإيجابية والسلبية في الجانب اللبناني السوري. فسوريا العربية ستروح تدعم المقاومة اللبنانية (لا يغير في الأمر شيئا إن باتت هذه المقاومة "إسلامية" بدلا من أن تكون "وطنية"، فجنود المقاومة هم هم أبناء الشعب اللبناني المستعدون للتضحية في سبيل الوطن) لتطرد الإسرائيليين من الجنوب (هذا إيجابي للبنان وسلبي لإسرائيل). ولكن الوجود السوري المديد في لبنان، خلافاً لما اتفق عليه في الطائف، أوجد الكثير من الإغراءات لكبار الضباط ورجال الاستخبارات. وكانت البرجوازية اللبنانية بشتى أجنحتها في القلب من هذه الإغراءات. والمثل يقول: هذا الشبل من ذاك الأسد! وثمة مثل دارج آخر يقول: "طب الجرة عَ تمّا البنت بتطلع ع إمّا". أولم يعودنا كثير من الأمراء اللبنانيين في غابر الأزمان على جمع الهدايا الثمينة من كدح الشعب الفلاح آنذاك وعلى "التريث إلى أن ينجلي الموقف" (كما كنا نقرأ ونحن صغار في كتب التاريخ) وينقشعَ غبار المعارك عن المنتصر من بين الفاتحين الطامعين ببلادنا، ابتداء من مرج دابق وربما قبلها، وليس انتهاء بمعارك عصرنا الحاضر؟ أو لم يسترضِ الأمير الشهابي الكبير، كما ذكر مؤرخونا، الوالي الجزار باستخدام العنصر النسائي الذي له مونة عليه وسوى ذلك من "الإتاوات"، بغية أن يبقيه على رأس السلطة في مواجهة خصومه من أبناء قومه؟ وها هي برجوازيتنا اليوم، بعدما خدمت بأمانة طيلة ما يقرب من ثلاثين عاماً، تتنكر لمن تزلفت لهم طويلاً (تقول إنها كانت مرغمة لا بطلة!)، حتى أن أحدهم فضل بالأمس أن يجرع كأس الموت المرة طوعاً إذ صعقه جحودها ونكرانها لجميل من منّ عليها وسلمها ردحاً من الدهر رقاب أبناء شعبها. ذلك أنها تعمل دائماً بمبدإ: "من أخذ أمي صار عمّي". وبرز من بينها كثر ممن كانوا "يذبحون بظفرهم" وهم في سلطة تظللها الوصاية السورية كما يقال، ثم حين رأوا من بعيد أن القطار الأميركي المجنَّح بدأ يتحرك متسارعاً ناحية الشرق الأوسط الكبير على أجنحة القرار 1559، أخذوا يستعدون للنزول من العربة السورية المتقادمة عهداً بطرح شعارات الاستقلال والسيادة ورفض الوصاية، كبديل عن شعارات الأمس حول وحدة وتلازم المسارين والأخوّة وما شابه. ولأجل تسريع هذا القطار أكثر استعمِل من الوقود ما لا يستعمله سوى من فقد كل إنسانية وضمير. فكان دم الرئيس الحريري ودماء غيره ممن تبعوه إلى عالم الآخرة أو إلى عالم الإعاقة مثابة هذا الوقود. ولكن الكثيرين من أبناء الشعب السذج، رغبةً صادقة منهم في الانتقام ممن دعموا وحموا من أوصل عيشهم إلى جحيم من أطراف برجوازيتنا العزيزة، ظنوا أن السوريين هم وحدهم السيئون، أما زعماؤنا البرجوازيون الأذكياء فهم أبطال الحرية والاستقلال والسيادة الأشاوس الميامين، ناسين أن هؤلاء الأبطال استفادوا من الوجود السوري في لبنان مثلما استفادوا من أي وجود أجنبي قبله، حسياً كان أم وجودَ نفوذ، ليجمعوا من الضرائب ما أنهك المواطن، وليضعوا حصة الأسد منها في جيوبهم بعد أن يكونوا قد سلموا المطلوب إلى الآتين من عرين ذاك الأسد. ويقول البعض إن هؤلاء الأخيرين كانوا في بداية وجودهم في لبنان بالغي البراءة لا يعرفون ما الفساد والإفساد! وقد علمتهم هذا شيئا فشيئاً برجوازيتنا الفاسدة والمفسدة، وذات الخبرة الممتدة إلى أعماق التاريخ! فكأني بها امرأة فاسقة تدرك ضعفها فتذهب صاغرة لمعاشرة الأقوياء، ثم تصرخ حين ترى في الأفق من هم أكثر من هؤلاء عتوّاً وعنفوانَ شباب: لقد اغتصَبوني! غير أن المغتصَب هو دائما وأبداً الشعب الذي، ويا للأسف، يركبونه مطيةً لأغراضهم الأنانية مفرَّقاً تفرقة طائفيةً ومذهبيةً، وهم يسعون وراء مصالحهم المشتركة في استغلال تعبه وكدّه. ولئن اختلفوا اليوم على المغانم، كما يختلف عادة على الطريدة قطيع الذئاب، فإنهم سيتوحدون غداً في مواجهة الشعب إذا ما ثار لعيشه ومستقبل أبنائه. نقترح على حركة "كفى!" الشبابية أن تضيف إلى شعاراتها المشروعة شعاراً مهماً هو: "كفى حكامَنا استدراجٌ لحروب الآخرين على أرضنا!"*

*كتبت هذه المقالة بعيد اغتيال الحريري  في العام 2005

الفئة: مقالاتي | أضاف: Michelya (18.01.2011) | الكاتب: ميشال يمّين E W
مشاهده: 94 | الترتيب: 0.0/0
مجموع المقالات: 0